محمد غازي عرابي
992
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
تحدثنا عن أن الوجود الإنساني كهف ، بل إن الوجود كله بما فيه كهف كبير ، واللّه يقلب من في الكهف ، وهذا معنى قول الصوفية لا حركة ولا سكون إلا بأمره ، فهذا العالم المائج بالحياة يحيا باللّه ، ولولا اللّه ما كان العالم ولم يحي . والمثوى إقامة ، والكهف المثوى ومحل الإقامة ، والإنسان في مثواه متقلب بإذن اللّه ذات اليمين وذات الشمال ، أي أن قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 21 إلى 23 ] طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ( 21 ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ( 22 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ( 23 ) [ محمد : 21 ، 23 ] من لم يلب دعوة اللّه فهو الخاسر ، ودعوة اللّه قد تكون على لسان نبيه الذي يوحى إليه ، أو قد تكون وحيا مباشرا كما قال سبحانه : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [ الشّورى : 51 ] ، وهذا ما سمته المحدثون الضمير ، فمن قعد به الكسل لم يطفر السور المضروب بين الإنسان واللّه ، لكي يكتشف اللّه وأين هو . وطبيعة الأسماء نفسها تقتضي القتال ، وهذا أمر ألححنا عليه في جميع كتبنا السابقة ، فالأمر كما قال سبحانه إن الإنسان رد أسفل سافلين من طبيعته الكثيفة الجسمية وقواه الشهوية والغضبية ، وما من سبيل إلى الخلاص من هذا الشباك إلا بالقتال ، قتال النفس الأمارة ، وقتال الأعداء ثانيا ، فمن جاهد في سبيل اللّه كان جهاده خيرا له لا للّه لأن اللّه ليس في حاجة إلى أحد فهو غني عن العالمين ، وكل ما يطلبه اللّه من الإنسان أن يعرفه الإنسان ، وإلا لما كان للّه حاجة في خلق الإنسان . فالخير في الشر ولا يعلم الإنسان ، والشهوة الحقة ليست تلك التي تشبع عن طريق الحرام ، لأن الشرب من هذا المورد كشرب ماء البحر لا يزيد العطشان إلا عطشا ، ولا يزيد قلبه إلا رينا وصدأ ، إنما أحل اللّه الحلال وحرم الحرام ، وفرض القتال لكي يحقق الإنسان القصد من خلقه والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أحب النساء ، وكان يخطب المرأة لجمالها ولحسبها ونسبها ودينها كما جاء في الأحاديث ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم القائل : ( النكاح سنتي ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ، فالنكاح الذي دعا إليه النبي وحث عليه لا يتعارض وكون الإنسان عابدا للّه قانتا قائما آناء اللّه وأطراف النهار ، وترى في كتاب الإحياء للإمام الغزالي دليلا على هذا ، فمن جهة حث الغزالي على الصوم حتى حد البلغة من الطعام ، ومن جهة حث على النكاح ضاربا أمثلة الصحابة ومنهم بخاصة الحسن بن علي أحد سيدي شباب أهل الجنة الذي اشتهر بالزواج وطلب النكاح الحلال .